منتدى ابـــــــــــــــــــــن البواح الثقافـــــــــــــــــــــــــي
ابتسم وعيش الفرحة
مرحبا اخي الزائر في منتدى حسن علي اصلع بواح حللت اهلا ووطئت سهلا نرجو منك التسجيل في منتدانا او الدخول اذا كنت مسجلا من قبل نتمنى لكم اقامة عامرة
المدير التنفيدي / حسن علي اصلع بواح

منتدى ابـــــــــــــــــــــن البواح الثقافـــــــــــــــــــــــــي

سياسي - ثقافي - اجتماعي - ادبي
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جالأعضاءالتسجيلدخول
يتقدم اعضاء المنتدى بالترحيب بالعضو الجديد الفنان ايهاب توفيق بتشرفه بالتسجيل بالمنتدى ونقول له حللت اهلا ووطئت سهلا فالف مرحبا به وبتشرفه
اهديلكم كلمات جميلة ومعاني اجمل لكل الاعضاءCool.. الشقاء Cool..يحس الإنسان بالشقاء عندما يعلم انه شقي الذكريات CoolCool.تكمن روعتها في تذكر أحاسيس لحظاتها.. القوة Cool مرحلة وتنتهي فلن تستمر إلي الأبد.. الحطام Cool بقايا مشاعر في مرحلة من العمر.. الحنين Coolتذكر لمشاعر انتحرت في زحمة الحياة.. السعادة Cool قمتها برضى الإنسان عن نفسه.. الصداقة Cool. أعظم شي في الوجود.. الشوق Coolنار تحرق صاحبها بلا حطب.. الشروق Cool. يعلن عن ولادة يوم جديد,، وموت يوم آخر من عمرك.. الغروب Cool. هو وداع الشمس لنا بلغتها الخاصة.. الأمل Cool هو سر إستمرار الحياة.. الحب Coolكلمة تعتبر .. معجزة .. الإبداع Coolكلمة تحتاج للوقوف عندها طويلا Coolقبل أن تنطق بها.. الليل Coolكم هو عزيز على قلبي هذا الساحر الوفي .. الكتابة Coolتعبير للغير وليست لصاحبها.. ليتهم يعلمون ذلك.. الوداع Coolهذه الكلمة تنادي الدموع بأعلى صوتها دائما الي كل اعضاء منتدانا الغالي
ادارة المنتدى ترحب بالعضو سطام العمودي ضيفا ومشاركا في منتدانا الذي ملك للكل وتتمنى له اقامة عامرة ولايبخل بمشاركاته
مبارك عليكم الشهر الفضيل يا اعضاء المنتدى
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال
ربِّ عبدك قد ضاقت به الاسباب وأغلقت دونه الأبواب وبعد عن جادة الصواب وزاد به الهم والغم والاكتئاب وانقضى عمره ولم يفتح له الى فسيح مناهل الصفو والقربات باب وانت المرجوّ سبحانك لكشف هذا المصاب يا من اذا دعي اجاب يا سريع الحساب يا رب الأرباب يا عظيم الجناب يا كريم يا وهّاب رب لا تحجب دعوتي ولا ترد مسألتي ولا تدعني بحسرتي ولا تكلني الى حولي وقوّتي وارحم عجزي فقد ضاق صدري وتاه فكري وتحيّرت في امري وانت العالم سبحانك بسري وجهري المالك لنفعي وضري القادر على تفريج كربي وتيسير عسري اللهم احينا في الدنيا مؤمنين طائعين وتوفنا مسلمين تائبين اللهم ارحم تضرعنا بين يديك وقوّمنا اذا اعوججنا وادعنّا اذا استقمنا وكن لنا ولا تكن علينا اللهم نسألك يا غفور يا رحمن يا رحيم أن تفتح لأدعيتنا ابواب الاجابه يا من اذا سأله المضطر اجاب يا من يقول للشيء كن فيكون اللهم لا تردنا خائبين وآتنا افضل ما يؤتى عبادك الصالحين اللهم ولا تصرفنا عن بحر جودك خاسرين ولا ضالين ولا مضلين واغفر لنا الى يوم الدين برحمتك يا ارحم الرحمين اللهم آمين

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 محاضرات في الادب الجاهلي 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسن علي اصلع بواح
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 516
نقاط : 30905
المستوى والانجاز : 3
تاريخ التسجيل : 09/02/2011
العمر : 28
الموقع : جده السعودية

مُساهمةموضوع: محاضرات في الادب الجاهلي 2   الجمعة 20 أبريل 2012 - 10:25

المحاضرة السابعة: ( الفروسية )
مما لاشك فيه أن الفروسية في العصر الجاهلي لم تكن نظاما معينا يفرض على أتباعه سلوكا خاصا, وإنما هي مظهر من مظاهر الحياة نشأ من عوامل اجتماعية وأخلاقية وحربية , وقد ساعدت على تطوره فطرة عربية سليمة وجدت في قيم المجتمع الجاهلي هدفها الذي تسعى إليه .
لقد حفل الشعر الجاهلي بالحديث عن الفروسية بوصفها الطابع المميز للحياة الجاهلية , والسمة الغالبة على طبائع العرب, ولأنها مجموعة المثل الرفيعة , والبطولات الحربية التي ترددت على السنة الشعراء الفرسان .
الفروسية لغة : من فرس الأسد فريسته فرساً , أي دق عنقها, والفرس : واحد الخيل سمي به لدقه الأرض بحوافره,وسمي راكبه فارسا .
أما اصطلاحا : فهي البطولة في الحرب , والبلاء في المعركة, والعفة عند توزيع الغنائم, وإطعام الضيف, والذود عن المرأة , وتلبية المستغيث إلى غير ذلك مما تستوجبه النخوة العربية الأصيلة .
لقد كان الفروسية في العصر الجاهلي تتضمن التغني بالحرب والترنم بنشيدها, فهي الميدان الذي تبرز فيه شجاعة القوم وصبرهم,ونجدتهم للمستغيث, يقول الأفوه الأودي :
وَإِذا الأُمورُ تَعاظَمَت وَتَشابَهَت فَهُناكَ يَعتَرِفونَ أَينَ المَفزَعُ ؟
وَإِذا عَجاجُ المَوتِ ثارَ وَهَلهَلَت فيهِ الجِيادُ إِلى الجِيادِ تَسَرَّعُ
Cool
كُنا فَوارِسَها الَّذينَ إِذا دَعــــــــا داعــي الصَباحِ بِهِ إِلَيهِ نَفزَعُ
كُنّـــــــا فَوارِسَ نَجــــدَةٍ لَكِنَّها رُتَبٌ فَبَعضٌ فَوقَ بَعضٍ يَشفَعُ
فضلا عن الافتخار بمقارعة الخصوم ,والتباهي بقدراتهم القتالية, وتنوع أساليب قتالهم, يقول الأعشى :
كَـــلّا زَعَمتُم بِأَنّا لا نُقاتِلُكُم إِنّـــــــا لِأَمثالِكُم يا قَومَنا قُتُلُ
Cool
نَحنُ الفَوارِسُ يَومَ الحِنوِ ضاحِيَةً جَنْبي فُطَيمَةَ لا مِيلٌ وَلا عُزُلُ
قالوا الرُكوبَ؟فَقُلنا تِلكَ عادَتُنا أَو تَنزِلونَ فَإنّا مَعشَرٌ نُـــــزُلُ
إن لفظة فارس كانت تطلق على الرجل الشجاع الذي أمضى عمره الطويل في تحقيق النصر لقبيلته, فكتب لها الذكر الحميد في سجل مفاخرها, وخاض المعارك الطوال لرفع اسمها, فكان عنترة بن شداد فارس بني عبس, ودريد بن الصمة فارس هوازن, وعامر بن الطفيل فارس تميم وغيرهم .
يقول عنترة بن شداد :
إِنّي اِمرُؤٌ مِن خَيرِ عَبسٍ مَنصِباً شَطرِي وَأَحمي سائِري بِالمُنصُلِ
إِن يُلحَقوا أَكرُر وَإِن يُستَلحَموا أَشدُد وَإِن يُلفَوا بِضَنكٍ أَنزِلِ
Cool
وَالخَيلُ تَعلَمُ وَالفَوارِسُ أَنَّني فَرَّقتُ جَمعَهُمُ بِطَعنَةِ فَيصَلِ
ويقول قيس بن الخطيم الأوسي:
دَعَوتُ بَني عَوفٍ لِحَقنِ دِمائَهُم فَلَمّا أَبوا سامَحتُ في حَربِ حاطِبِ
وَكُنتُ اِمرِأً لا أَبعَثُ الحَربَ ظالِماً فَلَمّا أَبَوا أَشعَلتُها كُلَّ جانِبِ
Cool
فَلَمّا رَأَيتُ الحَربَ حَرباً تَجَرَّدَت لَبِستُ مَعَ البُردَينِ ثَوبَ المُحارِبِ
ويقول المزرد بن ضرار الغطفاني :
وقد علمتْ فتيانُ ذُبيانَ أنني أنا الفارسُ الحامي الذمارَ المقاتلُ
وإني أردُّ الكبشَ والكبشُ جامحٌ وأُرجعُ رمحي وهو ريانُ ناهلُ
وكثيرا ما كانت القبيلة تحتمي بفارسها, فتكرّ إذا ما كرّ, وتفرّ إذا ما فرّ, يقول عنترة بن شداد :
في حَومَةِ الحَربِ الَّتي لا تَشتَكي غَمَراتِها الأَبطالُ غَيرَ تَغَمغُمِ
إِذ يَتَّقونَ بِيَ الأَسِنَّةَ لَم أَخِم عَنها وَلَكِنّي تَضايَقَ مُقدَمي
Cool
يَدعونَ عَنتَرَ وَالرِماحُ كَأَنَّها أَشطانُ بِئرٍ في لَبانِ الأَدهَمِ
Cool
وَلَقَد شَفى نَفسي وَأَذهَبَ سُقمَها قيلُ الفَوارِسِ وَيكَ عَنتَرَ أَقدِمِ
ويبدو أن الشعور بحتمية الموت أدى إلى قبوله كشيء لا مفر منه, وبما أن الموت كذلك فلا داعي إلى الحرص الشديد على الحياة, ومن ثم فإن إدراك الفرسان لهذه المعادلة دفعهم إلى الجرأة عليه, فإذا لم يكن تفادي الموت ممكنا, فإن الخوف منه عبث لا طائل من ورائه , يقول عنترة بن شداد :
وَعَرَفتُ أَنَّ مَنِيَّتي إِن تَأتِني لا يُنجِني مِنها الفِرارُ الأَسرَعُ
فَصَبَرتُ عارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً تَرسو إِذا نَفسُ الجَبانِ تَطَلَّــــعُ
ويقول الحُصينُ بن الحُمام المرّيُّ :
تَأَخَّرتُ أَستَبقي الحَياةَ فَلَم أَجِد لِنَفسي حَياةً مِثلَ أَن أَتَقَدَّما
فَلَستُ بِمُبتاعِ الحَياةِ بِسُبَّةٍ وَلا مُبتَغٍ مِن رَهبَةِ المَوتِ سُلَّما
وَلَكِن خُذوني أَيَّ يَومٍ قَدَرتُمُ عَلَيَّ فَحُزّوا الرَأسَ أَن أَتَكَلَّما
ويقول قيس بن الخطيم :
فَإِذ لَم يَكُن عَن غايَةِ المَوتِ مَدفَعٌ فَأَهلاً بِها إِذ لَم تَزَل في المَراحِبِ
فَلَمّا رَأَيتُ الحَربَ حَرباً تَجَرَّدَت لَبِستُ مَعَ البُردَينِ ثَوبَ المُحارِبِ
على أن الفروسية في العصر الجاهلي لم تكن مقتصرة على الحرب فقط, وإنما شملت كذلك المثل العليا ؛ ذلك أن شخصية الفارس البطل تملي عليه أن يكون إنسانا ساميا في أخلاقه إلى جانب بطولته .
ومن ثم فإن أخلاق الفرسان هي الأخلاق التي يتصف بها العرب جميعا, فالفارس كريم عزيز النفس, يحترم المرأة ويدافع عنها, ويجير المستجير, ويعمل على دفع الظلم عن الآخرين, فضلا عن أنه يكره الغدر ونقض المواثيق, يقول عنترة بن شداد:
أَغشى فَتاةَ الحَيِّ عِندَ حَليلِها وَإِذا غَزا في الجَيشِ لا أَغشاها
وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي حَتّى يُواري جارَتي مَأواها
إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها
ويقول حاتم الطائي :
وَما تَشتَكيني جارَتي غَيرَ أَنَّها إِذا غابَ عَنها بَعلُها لا أَزورُها
سَيَبلُغُها خَيري وَيَرجِعُ بَعلُها إِلَيها وَلَم يُقصَر عَلَيَّ سُتورُها

ـ بواعث الفروسية :
لقد كانت الفروسية نتيجة طبيعية للبيئة الصحراوية التي نشأ فيها العربي فأكسبته القوة والصبر والشجاعة والكرم والمروءة وغيرها من المثل التي يسعى الفرد إلى التخلق بها, ومن ثم فقد كانت هناك بواعث مختلفة أسهمت بشكل فعّال في بروزها, منها :
1ـ الطبيعة الصحراوية :
إن الحياة القاسية التي ارتبطت بها حياة العربي جعلته يتناحر على طلب الكلأ والماء, فيخرج إلى الصحراء باحثا عنهما, ويتصارع من أجل الحصول عليهما, ويتخاصم من أجل الاحتفاظ بهذا المورد الحيوي,فيعير ويغزو ليتمكن من الثبات أمام قانون الحياة, ويغتنم ما يقيم أوده, فكانت حياته قتالا دائما أو تأهبا للقتال .
وكانت القوة شرطا أساسيا من شروط وجوده, وعاملا مهما من العوامل التي تلعب دورها الفعال والمؤثر في مجتمعه؛ ولذلك كان الفارس مكرمة من مكارم قومه, ومفخرة من مفاخرها التي يعتزون بها,ويترنمون بأمجادها .
ولم يكن غريبا في الأدب الجاهلي ظهور شعر الفروسية , كما لم يكن غريبا على العربي في جاهليته أن يتغنى بالبطولة, ويترنم بها؛لأن طبيعة الحياة قد فرضت عليه الانتقال من مكان إلى آخر , بسبب ضيق المعيشة, وقلة الموارد, مما أوجد حركة مستمرة نحو مساقط الماء, ومنابت الكلأ, وتسابقا بين القبائل للاستيلاء عليها, واغتصابها من الآخرين .
فكثيرا ما كانت القبيلة تحمي مواقع السحاب , فلا يرعى غريب في حماها,ولا يرد ماءه إلا إذا استولى عليه عنوة وقسرا, ولطالما نشبت الحروب بين القبائل من أجل بئر رويّة أو أرض مخضرة ,وهو ما يتطلب شجاعة وفروسية في المواجهة, يقول معاوية بن مالك ( معود الحكماء ):
إِذا نَزَلَ السَحابُ بِأَرضِ قَومٍ رَعَيناهُ وَإِن كانوا غِضابا
بِكُــلِّ مُقَلِّصٍ عَبـــــــلٍ شَواهُ إِذا وُضِعَت أَعِنَّتُهُنَّ ثابــا
ففرسان القبيلة وشجعانها هم الذين يجعلون القبيلة تتبوأ منزلة كبيرة بين أقرانها, تتيح لها أن ترد أي مكان تبتغيه, وتمنعه عن الآخرين,وتستلذ بمائه فيما الآخرون لا ينالون سوى كدره ,يقول عمرو بن كلثوم :
وَأَنّا المانِعونَ لِما أَرَدنا وَأَنّا النازِلونَ بِحَيثُ شينا
وَأَنّا التارِكونَ إِذا سَخِطنا وَأَنّا الآخِذونَ إَذا رَضينا
Cool
وَنَشرَبُ إِن وَرَدنا الماءَ صَفواً وَيَشرَبُ غَيرُنا كَدَراً وَطينا
2ـ المرأة :
مما لاشك فيه أن الرجل العربي قد أعز المرأة وأحبها, وقدم القصيد بذكرها, وجزع من هجرها وظعنها, ومع ذلك فإن مكانتها قد تباينت,فبعض القبائل كانت تكره البنات وتئدهن, إما لأنهن لا يساهمن في كسب الرزق, ولا في الدفاع عن القبيلة,أو خشية الإنفاق والفقر, فضلا عن الغيرة عليهن,ومخافة العار إذا ما سبين,ولاسيما قبائل ربيعة وكندة وأسد وتميم .
على أن الكثرة المطلقة من القبائل كانت تعز المرأة وتعلي من شأنها,ولاسيما الحرة منهن , فقد كان لها دور فعال في المجتمع,فهي محترمة محصنة , ولها مكانتها التي تميزها, فمنهن من اشتهر بالشجاعة مثل دختنوس ابنة لقيط بن زرارة,وكبشة بنت معد يكرب, ومنهن من اشتهرت بالوفاء والشهامة مثل فكيهة بنت قتادة التي أجارت السليك بن السلكة حتى نجا من طالبيه , أما المرأة السبية فهي أحطُّ منزلة واقل قدرا وولدها هجين لا يعترف به احد,إلا أن يتفوق بشاعرية أو فروسية أو موقف مشهد له يدفع أباه إلى الاعتراف به.
ولعل مكانة المرأة تبرز بشكل مؤثر إذا ما عرفنا أن حرب البسوس التي دارت رحاها بين بكر وتغلب كانت بسبب امرأة هي البسوس خالة جساس بن مرة, وأن حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان لم يطفئ أوارها سوى امرأة هي بُهيْسة بنت أوس الطائي التي رفضت أن يدخل بها زوجها الحارث بن عوف قبل أن يصلح بين الفريقين .
من هنا كان الرجال يستبسلون في المعارك حتى لا تسبى نساؤهم,ويلحقهم العار, ذلك أن النساء كن ـ في الغالب ـ مقصد الأعداء ومبتغاهم ,من هنا كانت النساء أنفسهن يحرضن الرجال على الاستبسال, والدفاع عنهن, يقول عمرو بن كلثوم :
عَلى آثارِنا بيضٌ حِسانٌ نُحاذِرُ أَن تُقَسَّمَ أَو تَهونا
أَخَذنَ عَلى بُعولَتِهِنَّ عَهداً إِذا لاقَوا كَتائِبَ مُعلَمينا
Cool
يَقُتنَ جِيادَنا وَيَقُلنَ لَستُم بُعولَتَنا إِذا لَم تَمنَعونا
Cool
وَما مَنَعَ الظَعائِنَ مِثلُ ضَربٍ تَرى مِنهُ السَواعِدَ كَالقُلينا
ويقول عنترة بن شداد :
وَنَحنُ مَنَعنا بِالفَروقِ نِساءَنا نُطَرِّفُ عَنها مُشعِلاتٍ غَواشِيا
Cool
وَنَحفَظُ عَوراتِ النِساءِ وَنَتَّقي عَلَيهِنَّ أَن يَلقينَ يَوماً مَخازِيا
ويقول ربيعة بن مكدم الملقب بـ ( حامي الظعينة ) :
خلِّ سبيل الحرة المنيعة إنك لاق دونها ربيعة
في كفه خطية مطيعة أو لا فخذها طعنة سريعة
فالطعن مني في الوغى شريعة
ويقول عمرو بن معد يكرب :
لمّا رأيتُ نساءَنا يَفحَصنَ بالمَعزاءِ شَدَّا
وَبَدَت لَمِيسُ كَأَنَّها بَدرُ السماءِ إذا تَبَدَّى
وَبَدَت محاسِنُها التي تَخفَى وكان الأمرُ جِدَّا
نازلتُ كَبشَهُمُ ولم أرَ من نِزالِ الكبش بُدَّا
حتى إن الاستبسال في طلب الثأر إنما كان في بعض الأحيان بتأثير من المرأة وتشجيعها,كما فعلت أم عمرو بنت وقدان حينما حرضت قومها على الثأر لأخيها :
فإن انتم لم تطلبوا بأخيكم فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا نقب النساء فبئس رهط المرهق
3ـ الحرب :
كانت طبيعة الحياة العربية تتطلب القوة والشجاعة والإقدام في مواجهة الخطوب, يدفعهم إلى ذلك طبيعة الحياة المضطربة القائمة على الغزو والغارة, فهم في حرب لا يخبو أوارها,ولا يبرد رمادها, فهي تستعر لأمور كبيرة أو صغيرة, فقد يتنافسون على رياسة أو ماء أو مرعى أو طلبا للثأر وغير ذلك من أمور, فكانت تتأجج بينهم الحروب,ويتقاتل الرجال, فتبرز معالم الشجاعة والإقدام, والثبات في ساحة المعركة, يقول عنترة بن شداد :
هَلّا سَأَلتِ الخَيلَ يا اِبنَةَ مالِكٍ إِن كُنتِ جاهِلَةً بِما لَم تَعلَمي
Cool
يُخبِركِ مَن شَهِدَ الوَقيعَةَ أَنَّني أَغشى الوَغى وَأَعِفُّ عِندَ المَغنَمِ
وَمُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُماةُ نِزالَهُ لا مُمعِنٍ هَرَباً وَلا مُستَسلِمِ
جادَت لَهُ كَفّي بِعاجِلِ طَعنَةٍ بِمُثَقَّفٍ صَدقِ الكُعوبِ مُقَوَّمِ
فَشَكَكتُ بِالرُمحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ لَيسَ الكَريمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
ويقول دريد بن الصمة :
أَعاذِلُ إِنَّما أَفنى شَبابي رُكوبِيَ في الصَريخِ إِلى المُنادي
Cool
أَعاذِلُ إِنَّهُ مالٌ طَريفٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن مالٍ تِلادِ
أَعاذِلُ عُدَّتي بَدَني وَرُمحي وَكُلُّ مُقَلِّصٍ شَكِسِ القِيادِ
ـ فرار الفرسان :
على الرغم من شجاعة الفرسان وإقدامهم في الحروب, إلا أن الحرب كانت تستوجب في بعض الحيان الفرار والهزيمة إذا ما شعر الفارس بأن دائرة الحرب تدور عليه, وأن بقاءه في المعركة لا يكسبه سوى القتل أو الأسر,وهذا ما يدفعه إلى الفرار من المعركة .
وقد كان بعض الفرسان يدافعون عن فرارهم هذا,ويسبغون عليه طابعا من الشرعية, ويدعمون ذلك بالحجج والبراهين,ليسوغوا لأنفسهم ذلك, دون أن يجدوا في دفاعهم امرأ يدعوا إلى الخجل, فيقولون مثلا : الفرار في وقته, خير من الثبات في غير وقته, الحمام في الإقدام ,والسلامة في الإحجام, ومن ثم فهم لا يفرون من المعركة لأنهم جبناء,فهم شجعان ,ولكنهم يرون أن القتال لا يجديهم نفعا, وأن الاستمرار به لا يعني سوى هلاكهم , يقول عمرو بن معد يكرب:
أَجَاعِلَةٌ أُمُّ الثُوَيرِ خَزَايَةً عَلَيَّ فراري إذ لَقِيتُ بني عبسِ
لَقِيتُ أَبا شَأسٍ وشأساً ومالكاً وقيساً فَجاشَت من لقائِهِمُ نفسي
Cool
وليسَ يُعابُ المرءُ من جُبنِ يومِهِ إذا عُرِفَت منه الشجاعةُ بالأَمسِ
وقوله :
ولقد أجمعُ رِجلَيَّ بها حَذَرَ الموتِ وإِنّي لَفَرورُ
ولقد أعطِفُها كارهةً حين للنفس من الموت هَريرُ
كلُّ ما ذلك منّي خُلُقٌ وبكلٍ أنا في الرَّوع جديرُ
على أن بعض الفرسان كان يسوغ فراره من المعركة , بسبب نفرة فرسه الذي ابتعد عن المعركة, فترك أصحابه في مأزق , أي أنه يحمل فرسه مغبة الفرار و ومن ثم فلا يد له في ذلك , يقول قبيصة بن النصراني :
ألَم تَرَ أَنَّ الوَردَ عَرَّدَ صَدرُهُ وَحادَ عَنِ الدَعوى وَضَوءِ البِوارِقِ
وَأَخرَجَني مِن فِتيَةٍ لَم أَرِد لَهُم فِراقاً وَهُم في مَأزِقٍ مُتَضايِقِ
وَقَضَّ عَلى فاسِ اللِجامِ وَعَزَّني على أمره إِذ رَدَّ أَهلُ الحَقائِقِ
فَقُلتُ لَهُ لَمّا بَلَوتُ بَلاءَهُ وَإِنّي بِمَتعٍ مِن خَليلٍ مُفارِقِ
أُحَدِّثُ مَن لاقَيتُ يَوماً بَلاءَهُ وَهُم يَحسِبونَ أَنَّني غَيرُ صادِقِ
ويقول الفرّار السُّلمي :
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
وتركتهم تقص الرماح ظهورهم من بين مقتول وآخر مسند
هل ينفعني أن تقول نساؤهم وقتلت دون رجالها ـ لا تبعد
ولعل من ملامح الفروسية أن يفتخر الشاعر بقوته وشجاعته, مع إقراره للآخرين بالفضل والبسالة, فهذا الإقرار أقرب إلى روح الفروسية والرجولة,فالفارس لا يحقق النصر دائما في المعركة, فالحرب كرّ وفرّ,يوم له ويوم عليه,فإذا ما انتصر نراه يفتخر بقوته وشدة بأسه, وإذا اندحر الفارس ونال منه خصمه أقرّ بقوة ذلك الخصم, وكثرة رجاله, وشدة بأسهم, وأنه قد صبر وأبلى في ساحة المعركة ولكن النصر قد فاته .
إن هذا الضرب من الشعر الذي لا يحتكر الشجاعة لجانب دون آخر, هو الذي عُرف بشعر الإنصاف, وسميت قصائده ( المنصفات ) , يقول عبد القادر البغدادي : (( وللعرب قصائد قد أنصف قائلوها أعداءهم فيها, وصدقوا عنهم وعن أنفسهم فيما اصطلوه من حر اللقاء, وفيما وصفوه من أحوالهم, في إمخاض الإخاء, قد سموها المنصفات )) .
وقد اشتهر من هؤلاء الشعراء مجموعة من أبطال الجاهلية والإسلام منهم, عمرو بن معد يكرب,العباس بن مرداس , عنترة بن شداد,عبد الشارق بن عبد العزى ,الذي يقول :
ألا حييت عنا يا ردينا نحييها وإن كرمت علينا
ردينة لو رأيت غداة جئنا على أضماتنا وقد احتوينا
Cool
فجاءوا عارضا بردا وجئنا كمثل السيل نركب وازعينا
فنادوا يا لبهثة إذ رأونا فقلنا أحسني ضربا جهينا
Cool
شددنا شدة فقتلت منهم ثلاثة فتية وقتلت قينا
وشدوا شدة أخرى فجرّوا بأرجل مثلهم ورموا جوينا
وكان أخي جوين ذا حفاظ وكان القتل للفتيان زينا
فأبوا بالرماح مكسرات وأُبنا بالسيوف قد انحنينا
ويقول العباس بن مرداس :
سَمَونا لَهُم سَبعاً وَعِشرينَ لَيلَةً نَجوبُ مِنَ الأَعراضِ قَفراً بَسابِسا
فَبِتنا قُعوداً في الحَديدِ وَأَصبَحوا عَلى الرُكُباتِ يَجرُدونَ الأَيابِسا
فَلَم أَرَ مِثلَ الحَيِّ حَيّاً مُصَبَّحاً وَلا مِثلَنا لَمّا اِلتَقَينا فوارِسا
أَكَرَّ وَأَحمى لِلحَقيقَةِ مِنهُمُ وَأَضرَبَ مِنّا بِالسُيوفِ القَوانِسا
وَأَحصَنَنا مِنهُم فَما يَبلُغونَنا فَوارِسُ مِنّا يَحبِسونَ المَحابِسا
إِذا ما شَدَدنا شَدّةً نَصَبوا لَها صُدورَ المَذاكي وَالرِماحَ المَداعِسا
Cool
نُطاعِنُ عَن أَحسابِنا بِرِماحِنا وَنَضرِبُهُم ضَربَ المُذيدِ الخَوامِسا
Cool
وَلَو ماتَ مِنهُم مَن جَرَحنا لَأَصبَحَت ضِباعٌ بِأَكنافِ الأَراكِ عَرائِسا
Cool
فَإِن يَقتُلوا مِنّا كَريماً فَإِنَّنا أَبَأنا بِهِ قَتلاً يُذِلُّ المَعاطِسا
قَتَلنا بِهِ في مُلتَقى الخَيلِ خَمسَةً وَقاتِلَهُ زِدنا مَعَ اللَيلِ سادِسا

ـ عنترة بن شداد :
لعل أهم شخصية احتفظت بذاكرتها الأجيال هي شخصية عنترة, فقد كان المثل الأعلى في البسالة والبطولة الحربية .
لقد تمثلت في فروسيته معاني الرجولة العربية الكاملة, تمثلت بأفعاله وأعماله, بعفته وكرمه وصلابته التي لا تنتهي به إلى العنف .
وتحدث الرواة عن بطولة هذا الفارس, وأكثروا من حديثهم عن شجاعته, حتى وصف بأنه أشجع أهل زمانه, وأجودهم بما ملكت يداه .
وعندما سمع الرسول (ص) قول عنترة :
وَلَقَد أَبيتُ عَلى الطَوى وَأَظَلُّهُ حَتّى أَنالَ بِهِ كَريمَ المَأكَلِ
قال (ص) : ما وصف لي أعرابي قطّ فأحببت أن أراه إلا عنترة .
وكان عنترة من فرسان العرب المعدودين,المشهورين بالنجدة والبأس, وكان يقال له عنترة الفوارس؛ لأنه لم يعجز عن صيد الفرسان الدارعين, يقول :
إِن تُغدِفي دوني القِناعَ فَإِنَّني طَبٌّ بِأَخذِ الفارِسِ المُستَلئِمِ
إن الصفات التي تميز بها عنترة , وفي مقدمتها شجاعته إنما كانت نابعة من فلسفته التي آمن بها كلّ الإيمان , وهي أن الموت لابد منه, وما دام الإنسان يموت فالأجدر بها أن تكون ميتة في ساحة المعركة , لما فيها من الإيثار وعلو الشأن , يقول :
تَعالَوا إِلى ما تَعلَمونَ فَإِنَّني أَرى الدَهرَ لا يُنجي مِنَ المَوتِ ناجِيا
وقوله :
بَكَرَت تُخَوِّفني الحُتوفَ كَأَنَّني أَصبَحتُ عَن غَرَضِ الحُتوفِ بِمَعزِلِ
فَأَجَبتُها إِنَّ المَنِيَّةَ مَنهَــــــــــلٌ لا بُدَّ أَن أُسقى بِكَـــــأسِ المَنــــــــهَلِ
فَاِقِني حَياءَكِ لا أَبا لَكِ وَاِعلَمي أَنّي اِمرُؤٌ سَأَمـــــــــــوتُ إِن لَم أُقتَلِ
وقوله :
حَكِّم سُيوفَكَ في رِقابِ العُذَّلِ وَإِذا نَزَلتَ بِدارِ ذُلٍّ فَاِرحَلِ
Cool
وَإِذا الجَبانُ نَهاكَ يَومَ كَريهَةٍ خَوفاً عَلَيكَ مِنَ اِزدِحامِ الجَحفَلِ
فَاِعصِ مَقالَتَهُ وَلا تَحفِل بِها وَاِقدِم إِذا حَقَّ اللِقا في الأَوَّلِ
وَاِختَر لِنَفسِكَ مَنزِلاً تَعلو بِهِ أَو مُت كَريماً تَحتَ ظُلِّ القَسطَلِ
فَالمَوتُ لا يُنجيكَ مِن آفاتِهِ حِصنٌ وَلَو شَيَّدتَهُ بِالجَندَلِ
والى جانب شجاعته فقد اتصف عنترة بالعفة , فيقول :
أَغشى فَتاةَ الحَيِّ عِندَ حَليلِها وَإِذا غَزا في الجَيشِ لا أَغشاها
وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي حَتّى يُواري جارَتي مَأواها
إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها
ولم تكن عفته تجاه النساء فقط, وإنما كان عفيفا تجاه المال أيضا, إذ لم يكن المال همه الأكبر, أو الهدف الرئيس من قتاله, من هنا فإنه لم يسع وراء الغنائم, على الرغم من قدرته على حيازتها لنفسه, والتفرد بها, يقول :
هَلّا سَأَلتِ الخَيلَ يا اِبنَةَ مالِكٍ إِن كُنتِ جاهِلَةً بِما لَم تَعلَمي
Cool
يُخبِركِ مَن شَهِدَ الوَقيعَةَ أَنَّني أَغشى الوَغى وَأَعِفُّ عِندَ المَغنَمِ
وقوله :
فَأَرى مَغانِمَ لَو أَشاءُ حَوَيتُها فَيَصُدُّني عَنها كَثيرُ تَحَشُّمي
فضلا عن أنه كان سمح المعاشرة, يعامل أصحابه بمثل ما يظهرون له من الخلق الحسن, ولكن هذه السماحة لا تذهب به إلى حد الضعف والتنازل عن حقوقه إلى الآخرين,من هنا كان يعاقب من يوقع عليه الظلم, ويجابهه بظلم أشد وطأة, وأكثر إيلاما , يقول :
أَثني عَلَيَّ بِما عَلِمتِ فَإِنَّني سَمحٌ مُخالَقَتي إِذا لَم أُظلَمِ
وَإِذا ظُلِمتُ فَإِنَّ ظُلمِيَ باسِلٌ مُرٌّ مَذاقَتَهُ كَطَعمِ العَلقَمِ
وقوله :
وَإِذا بُليتَ بِظالِمٍ كُن ظالِماً وَإِذا لَقيتَ ذَوي الجَهالَةِ فَاِجهَلي
كما اتصف عنترة بالكرم والجود, يقول :
فَإِذا شَرِبتُ فَإِنَّني مُستَهلِكٌ مالي وَعِرضي وافِرٌ لَم يُكلَمِ
وَإِذا صَحَوتُ فَما أُقَصِّرُ عَن نَدىً وَكَما عَلِمتِ شَمائِلي وَتَكَرُّمي
وهو يأبى السؤال والعيش الذليل, حتى لو أدى ذلك به إلى المبيت جائعا,محتاجا ,يقول :
وَلَقَد أَبيتُ عَلى الطَوى وَأَظَلُّهُ حَتّى أَنالَ بِهِ كَريمَ المَأكَلِ
كما عُرف عنه تلبية نداء من يدعوه إلى نصرته في الحرب, وإجابة صرخة المستغيث به, يقول :
وَمَكروبٍ كَشَفتُ الكَربَ عَنهُ بِضَربَةِ فَيصَلٍ لَمّا دَعاني
دَعاني دَعوَةً وَالخَيلُ تَردي فَما أَدري أَبِاِسمي أَم كَناني
فَلَم أُمسِك بِسَمعي إِذ دَعاني وَلَكِن قَد أَبانَ لَهُ لِساني
فَفَرَّقتُ المَواكِبَ عَنهُ قَهراً بِطَعنٍ يَسبُقُ البَرقَ اليَماني
وَما لَبَّيتُهُ إِلّا وَسَيفي وَرُمحي في الوَغى فَرَسا رِهانِ
وَكانَ إِجابَتي إِيّاهُ أَنّي عَطَفتُ عَلَيهِ خَوّارَ العِنانِ
ونتيجة لتلك القيم الخلقية, والمثل العليا التي اتصف بها عنترة,أصبح ذكره مثلا نادرا من أمثلة الفرسان الذين تألقت أسماؤهم في عالم الفروسية .
أما حبّ عنترة فهو جانب كبير من جوانب الحياة عنده, فقد كان لكل فارس حبيبته التي توحي إليه بالشجاعة والبطولة واقتحام المعارك , يقول :
يا عَبلَ إِنَّ هَواكِ قَد جازَ المَدى وَأَنا المُعَنّى فيكِ مِن دونِ الوَرى
يا عَبلَ حُبُّكِ في عِظامي مَع دَمي لَمّا جَرَت روحي بِجِسمي قَد جَرى
وقوله :
فَالقَتلُ لي مِن بَعدِ عَبلَةَ راحَةٌ وَالعَيشُ بَعدَ فِراقِها مَنكودُ
Cool
يا عَبلَ إِن سَفَكوا دَمي فَفَعائِلي في كُلِّ يَومٍ ذِكرُهُنَّ جَديدُ
وقوله :
أَلا يا عَبلَ لَو أَبصَرتِ فِعلي وَخَيلُ المَوتِ تَنطَبِقُ اِنطِباقا
سَلي سَيفي وَرُمحي عَن قِتالي هُما في الحَربِ كانا لي رِفاقا
سَقَيتُهُما دَماً لَو كانَ يُسقى بِهِ جَبَلا تِهامَةَ ما أَفاقا
وَكَم مِن سَيِّدٍ خَلَّيتُ مُلقىً يُحَرِّكُ في الدِما قَدَماً وَساقا
وقوله :
يا عَبلَ إِن كانَ ظِلُّ القَسطَلِ الحَلِكِ أَخفى عَلَيكِ قِتالي يَومَ مُعتَرَكي
فَسائِلي فَرَسي هَل كُنتُ أُطلِقُهُ إِلّا عَلى مَوكِبٍ كَاللَيلِ مُحتَبِكِ
وَسائِلي السَيفَ عَنّي هَل ضَرَبتُ بِهِ يَومَ الكَريهَةِ إِلّا هامَةَ المَلِكِ
وَسائِلي الرُمحَ عَنّي هَل طَعَنتُ بِهِ إِلّا المُدَرَّعَ بَينَ النَحرِ وَالحَنَكِ
Cool
لَولا الَّذي تَرهَبُ الأَملاكُ قُدرَتُهُ جَعَلتُ مَتنَ جَوادي قُبَّةَ الفَلَكِ
وإلى جانب ذلك نالت الخيل نصيبا مهما من شعره, فقد كان الفرسان عموما يولون خيولهم عناية كبيرة ,فهي جزء من عناصر فروسيتهم ,والمعول عليها في ساحة المعركة,حتى أنهم كانوا يؤثرونها بالعناية على نسائهم , يقول عنترة :
لا تَذكُري مُهري وَما أَطعَمتُهُ فَيَكونَ جِلدِكِ مِثلَ جِلدِ الأَجرَبِ
إِنَّ الغَبوقَ لَهُ وَأَنتِ مَسوأَةٌ فَتَأَوَّهي ما شِئتِ ثُمَّ تَحَوَّبي
Cool
إِنَّ الرِجالَ لَهُم إِلَيكِ وَسيلَةٌ إِن يَأخُذوكِ تَكَحَّلي وَتَخَضَّبي
وَيَكونُ مَركَبَكِ القَعودُ وَرَحلُهُ وَابنُ النَعامَةِ يَومَ ذَلِكَ مَركَبي
Cool
وَأَنا اِمرُؤٌ إِن يَأخُذوني عَنوَةً أُقرَن إِلى شَرِّ الرِكابِ وَأُجنَبِ
وقوله :
في الخَيلِ وَالخافِقاتِ السودِ لي شُغلٌ لَيسَ الصَبابَةُ وَالصَهباءُ مِن شُغلي
Cool
سَلوا جَوادِيَ عَنّي يَومَ يَحمِلُني هَل فاتَني بَطَلٌ أَو حُلتُ عَن بَطَلِ
وقوله:
يَدعونَ عَنتَرَ وَالرِماحُ كَأَنَّها أَشطانُ بِئرٍ في لَبانِ الأَدهَمِ
ما زِلتُ أَرميهِم بِثُغرَةِ نَحرِهِ وَلَبانِهِ حَتّى تَسَربَلَ بِالدَمِ
فَاِزوَرَّ مِن وَقعِ القَنا بِلَبانِهِ وَشَكا إِلَيَّ بِعَبرَةٍ وَتَحَمحُمِ
لَو كانَ يَدري ما المُحاوَرَةُ اِشتَكى وَلَكانَ لَو عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي
وبذلك فقد اجتمعت في شعر عنترة كل عناصر الفروسية وهي :
1ـ المرأة .
2ـ الخيل .
3ـ الموت .

تحليل نص جاهلي :
النص الأدبي فهو "نسيج من الألفاظ والعبارات التي تطرد في بناء منظم متناسق يعالج موضوعاً أو موضوعات في أداء يتميز على أنماط الكلام اليومي، والكتابة غير الأدبية بالجمالية التي تعتمد على التخييل والإيقاع والتصوير، والإيحاء والرمز، ويحتل فيها الدال بتعبير سوسير مرتبة أعلى من المدلول مقارنة بالنص الغير الأدبي"(11). إن النص الأدبي رسالة ترميزية يبثها مرسل إلى مستقبل، تتحدد استجابتها تِبعاً لعملية الاستيعاب، وهو كذلك نص معرفي تتلاقى فيه جملة من المعارف الإنسانية، يعيش في حضور صاحبه وفي غيابه، لكونه كائناً عضوياً تفاعلت في صنعه عوامل عدة قبل إبداعه، ويكتسب قيمته الفنية من خلال قدرته على الإيحاء والتأويل والانزياح.
النص الأدبي ليس طريقة إبداع فقط ، إنما هو طريقة إبداع وتلقٍّ معاً؛ ذلك أن الأدب عموماً، كما يرى الغذامي: "عملية إبداع جمالي من منشئه، وهو عملية تذوق من المتلقي"(12). وقد تفطن النقد العربي القديم إلى هذه الإشكالية، حيث يقول الجاحظ: "كلما كان اللسان أبين كان أحمد، وكلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد، والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل"(13). من خلال النص نقف على حقيقة مؤداها أن الجاحظ يومئ إلى العلاقة الجدلية بين المبدع والمتلقي (التلقي المسؤول). لقد اهتم النقد بالمتلقي كذلك، وحرص على التواصل معه، والنصوص القديمة تبرز جوانب عدة من جماليات التلقي (العلاقة بين المبدع والمتلقي). يقول أحد الشعراء :
إذا الشعر لم يهززك عند سماعه فليس خليقا أن يقال له شعر
القصيدة قطعة من الشعر، تتألَّف من مجموعة أبيات لا تقل عن سبعة (أو عشرة) وقد تزيد على المئة. ويرى ابن رشيق أنها مشتقة من: "قصدت إلى الشيء، كأنّ الشاعر قصد إلى عملها على تلك الهيئة"( [1] ).
والقصيدة التقليدية تُبنى على بحر واحد، وتفعيلات ثابتة. وهي تبدأ غالبا ببيت مُصرَّع، وتقوم أبياتها على قافية واحدة. وكثيرا ما تكون ذات أغراض متعددة؛ فكان الشاعر الجاهلي يستهلُّ قصيدته بالوقوف على الطلل، فالانتقال إلى النسيب ووصف الرحلة إلى الممدوح "ليُميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه وليستدعي إصغاء الأسماع . . ."( [2] ) ومن ثمَّ يصل إلى غرضه الرئيس. ويُعقِّب ابن قتيبة على هذا التقليد بقوله: "وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام فيقف على منزل عامر أو يبكى عند مُشيَّد البنيان لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي، أو يدخل على حمار أو بغل ويصفهما لأن المتقدمين رحلوا على الناقة أو البعيرCool"( [3] )، فالمسألة لا تعني إحلال مواد الحضارة محل مواد البداوة في الشعر، فللشاعر أن يجدد بما يناسب عصره، أو أن يُعيد ذكر الرحلة ووصف الطلل بوصفهما رمزا لا حقيقة( [4] ).
اتجهت عناية النقاد إلى القصيدة من بين الأنماط التعبيرية الأخرى، ولعل ذلك راجع إلى يقينهم بأن (القصيدة) تحمل من السمـات والمؤهلات ، ما يهيئ لها الاستمرار والرسوخ في الأدب العربي ، فضلا عن كونها النمط الأكثر شيوعا عند العرب ، وكان من عنايتهم أن تحدثوا عن بنائها .
إنّ تأمل النماذج الشعرية الموروثة عن العصر الجاهلي, يظهر أن الأنموذج الأمثل للقصيدة المكتملة فنيا هو الأنموذج المكون من ثلاث وحدات متناسقة مترابطة ,المقدمة ـ بلوحاتها المختلفة من طلل أو غزل أو ظعنCool الخ ـ والرحلة بما تتضمنه من مكابدات الشاعر في الصحراء المقفرة، وما ينبثق عنها من تشبيه ناقته بأحد حيوانات الصحراء (ثور الوحش،حمار الوحش،الظليم) حتى إذا ما استوفت تلك اللوحات معاناته، واستنزفت مشاعره وأحاسيسه، انتقل إلى غرضه الرئيس، الذي من أجله بنيت القصيدة.
ومن ثم فقد كان هذا الأنموذج مدار حديث النقاد القدامى، الذين اتخذوه أساسا للمفاضلة بين الشعراء في مختلف العصور( )، من خلال النظر إلى مدى التزامهم به، أو خروجهم عليه.
وقد كان ابن قتيبة (ت 276هـ) من أوائل من أشار إلى هذا الأنموذج في نصه الشهير, فقال: "وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين إذ كان نازلةُ العَمد في الحلول والظَّعن على خلاف ما عليه نازلة المَدَر، لانتقالهم عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد، وألم الفِراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب،لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحدٌ يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسببٍ وضارباً فيه بسهم حلال أو حرام. فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه ، عقَّب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر، وسُرى الليل، وحرَّ الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح "فبعثه على المكافأة، وهزَّه للسماح، وفضَّله على الأشباه، وصغَّر في قدره الجزيل .
فالشاعر المجيد من سلك هذه الأسالب، وعَدَّل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحداً منها أغلب على الشعر، ولم يُطل فيُمِلَّ السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمأ إلى المزيد" ( )، الذي أظهر فيه اهتماما بالشاعر، والحال النفسية التي تلازمه وقت نظم القصيدة ـ لاسيما قصيدة المديح ـ فتدفعه إلى التزام بعض الأجزاء والإطالة, أو التقصير فيها، أو التخلي عنها، مطالبا إياه بتحقيق التناسق بينها ((فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام))( )؛ لما تحمله قصيدة المديح من أهمية في الشعر العربي، متمثلاً بإبراز القيم الخلقية، من كرم وشجاعة ومروءةCoolإلى غير ذلك، التي حرص ابن قتيبة ـ فيما يبدو ـ عليها.
على أنّ ذلك المنهج الذي وضعه ابن قتيبة، لم يكن منهجا إلزاميّا قسريّا، وإنّما كان دعوة جادة للشعراء، لتحقيق المثالية في علاقاتهم بمجتمعهم في العصور كلها، مما حدا بكثير من الشعراء إلى التزامه ـ بإرادتهم ـ لما وجدوا فيه من القدرة على استيعاب تجاربهم الانفعالية، فتتحقق بذلك غايتهم الذاتية، وفي الوقت نفسه، فإنّهم يرضون جمهور المتلقين الذين لم يكونوا بمعزل عنهم (( فالشاعر أيّا كان نوع شعرهCool يهدف بنظم الشعر إلى إشباع الرغبة الفنية في نفسه أولا،ثم إرضاء جمهوره، ونيل إعجابهم ))( ) ثانيا, ذلك الجمهور الذي كان ـ في الغالب ـ دافعا للشعراء، يحثهم على التنافس والتجويد الفني ضمن هذا المنهج.
ـ المقدمة :
تشكل المقدمة وحدة أدائية , تبدو من خلالها تجربة الشاعر الانفعالية، التي أودعها غرضه الرئيس, وقدرته الفنية في التأمل والتأني, وانتقاء المشاهد, التي تتلاءم وذلك الغرض.
إن حديث الشاعر في المقدمات ـ في الغالب ـ ما هو إلا استرجاعٌ لمواقف قد اختزنت في ذاكرته، وتجارب يتردد صداها في نفسه، حتى تأخذ طريقها للنفاذ من مكامنها, والاستقرار في القصيدة, ومن هنا تباينت تلك المقدمات طولاُ وقصرا، فمنها ما هو طويل، ومنها ما هو موجز، تبعا للحال النفسية التي ألمت بالشاعر لحظة الإبداع، وعمق التجربة التي ألحت عليه؛ ذلك أن(( المقدمة تمثل الجزء الحيوي الذي تتمحور فيه التجربة الخلاقة للشاعر ))( ),والتي نستطيع أن نستشف ـ في الغالب ـ غرض القصيدة من خلال قراءتنا لها، والتدقيق فيهما؛ لما يودعه الشاعر في مقدمته, من ملامح توحي بذلك الغرض .
وهناك قصائد في الشعر الجاهلي لم يفتتحها الشعراء بالمقدمات, وإنما كانوا يلجون موضوعاتهم وأغراضهم بشكل مباشر دون تمهيد , يقول ابن رشيق : (( ومن الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطاً من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة،ويتناوله مصافحة، وذلك عندهم هو: الوثب، والبتر، والقطع، والكسع، والاقتضاب، كل ذلك يقال.. والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء ، وهي التي لا يبتدئ فيها بحمد الله عز وجل على عادتهم في الخطب )) .
ولعل السبب يكمن إما في ضياع هذه المقدمات في أثناء رواية الشعر وتناقله من جيل إلى جيل ,أو أن الشعراء لم يملكوا من الوقت ما يتيح لهم التأني والتمهل في صنع مقدماتهم وتنقيحها , بمعنى أن هذه القصائد آنية , ومن ثم فإن الشاعر يضطر اضطرارا إلى الاستعجال في القول , خوفا من ضياع الوقت, وفوات المناسبة التي تتطلب الرد السريع الحاسم والمؤثر , من ذلك قصيدة النابغة الذبياني في هجاء زرعة بن عمرو بن خويلد التي قال فيها :
نَبِئتُ زُرعَةَ وَالسَفاهَةُ كَاِسمِها يُهدي إِلَيَّ غَرائِبَ الأَشعارِ
فَحَلَفتُ يا زُرعَ بنِ عَمروٍ أَنَّني مِمّا يَشُقُّ عَلى العَدوِّ ضِراري
وقول زهير بن أبي سلمى حين علم أن بني تميم يريدون غزو غطفان فقال :
أَلا أَبلِغ لَدَيكَ بَني تَميمٍ وَقَد يَأتيكَ بِالخَبَرِ الظَنونُ
بِأَنَّ بُيوتَنا بِمَحَلِّ حَجرٍ بِكُلِّ قَرارَةٍ مِنها نَكونُ
وفي شعر الصعاليك ما يؤكد ذلك , فطبيعة حياتهم القلقة والمشغولة بالكفاح في سبيل العيش, والكر والفر,لا تتيح لهم الوقت الكافي كي يفرغوا للمقدمات والتأني في نظمها, وكذلك الحال بالنسبة إلى الخوارج , فقد كان للظروف التي عاشوها أثر كبير في خلو قصائدهم من المقدمات ؛ إذ كانت أشعار حرب ومجاهدة ، وحث على القتال ، فلم يكن لديهم من الوقت ما يمكنهم من التأني والتأمل في نظم المقدمات .
ولا تبعد قصائد الرثاء عن ذلك , فالمعروف أن هذه القصائد تخلو من المقدمات التقليدية , إلا في قصائد قليلة تعد خروجا على القاعدة العامة , يقول ابن رشيق : (( وليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيباً كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء، وقال ابن الكلبي وكان علامة :
لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة :
أَرَثَّ جَديدُ الحَبلِ مِن أُمِّ مَعبَدٍ بِعاقِبَةٍ وَأَخلَفَت كُلَّ مَوعِدِ
وَبانَت وَلَم أَحمَد إِلَيكَ نَوالَها وَلَم تَرجُ فينا رِدَّةَ اليَومِ أَو غَدِ
Cool
أَعاذِلَتي كُلُّ اِمرِئٍ وَاِبنُ أُمِّهِ مَتاعٌ كَزادِ الراكِبِ المُتَزَوِّدِ
أَعاذِلَ إِنَّ الرُزءَ في مِثلِ خالِدٍ وَلا رُزءَ فيما أَهلَكَ المَرءُ عَن يَدِ
ويقول أيضا : (( إنه الواجب في الجاهلية والإسلام ، وإلى وقتنا هذا، ومن بعده؛ لأن الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولاً عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة ؛ وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة ، وحين أخذ ثأره ، وأدرك طلبته )).
وليس في الشعر الجاهلي مراث استهلها الشعراء بالنسيب إلا قليلا , منها قول المرقش الأكبر في رثاء ابن عمه ثعلبة بن عوف :
هلْ بالدِّيارِ أنْ تُجِيبَ صَمَمْ لو كانَ رَسْمٌ ناطِقاً كلَّمْ
الدَّارُ قَفْرٌ والرُّسُومُ كَما رَقَّشَ في ظَهْرِ الأَدِيمِ قَلَمْ
دِيارُ أَسْماءَ التي تَبَلَتْ قَلْبِي فَعَيْنِي ماؤُها يَسْجُمْ
Cool
ثَعْلَبُ ضَرّابُ القَوانِسِ بالس سَيْفِ وهادِي القَوم إِذْ أَظْلَمْ
وقول زهير بن أبي سلمى يرثي هرم بن سنان :
هاجَ الفُؤادَ مَعارِفُ الرَسمِ قَفرٌ بِذي الهَضَباتِ كَالوَشمِ
Cool
يا دَهرُ قَد أَكثَرتَ فَجعَتَنا بِسَراتِنا وَقَرَعتَ في العَظمِ
وَسَلَبتَنا ما لَستَ مُعقِبَهُ يا دَهرُ ما أَنصَفتَ في الحُكمِ
لقد تنوعت المقدمات الجاهلية بتنوع التجارب الشعورية التي يمر بها الشاعر .
ـ المقدمة الطللية :
تعد المقدمة الطللية من أكثر المقدمات شيوعا في الشعر الجاهلي، فالطلل هو((النبع الذي لا يغور ذكراه من بال الشاعر ولا يجف، وهو الرمز الحقيقي الذي يلهم الشاعر ويؤثر في نظمه، ويبعث في نفسه شتى ألوان الأحاسيس, وغالبا ما تخالطه الحجارة والحصى))()، وغيرها من الآثار التي يخلفها أهله الراحلون، والتي من شأنها أن تأجج في نفسه الذكريات، وتبعثها من جديد.
لقد أرسى الشعراء الجاهليون دعائم هذه المقدمة، من وقوف الشاعر على أطلال محبوبته واستيقاف صحبه، وسؤال الديار عن أهلها الذين غادروها، مخلفين وراءهم آثارا ( النؤي والأثافي وغيرها )، تتعاورها الرياح والأمطار, حتى تكاد تطمس معالمها.
وللمقدمة الطللية ثلاثة أشكال :
1ـ صورة الطلل بمفردها :
وفيها يمر الشاعر بديار محبوبته , ويقف عندها يتأملها ويتذكر أيامه على أرضها, ويحصي آثارها من أحجار ورماد ونؤي وغيرها, ثم يعدد ما غير معالمها من رياح محملة بالرمال, وسحب مشحونة بالماء,ثم يصف إقفارها وخلوها من أهلها بعد رحيلهم منها,وكيف اتخذت منها قطعان البقر والظباء والثيران والنعام مراتع تتنقل في ساحاتها ,وتلعب بها آمنة مع أولادها , كما في قول امرئ القيس :
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ وَحَومَلِ
فَتوضِحَ فَالمِقراةِ لَم يَعفُ رَسمُها لِما نَسَجَتها مِن جَنوبٍ وَشَمأَلِ
تَرى بَعَرَ الأرآمِ في عَرَصاتِها وَقيعانِها كَأَنَّهُ حَبُّ فُلفُلِ
كَأَنّي غَداةَ البَينِ يَومَ تَحَمَّلوا لَدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنظَلِ
وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطِيِّهُم يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَمَّلِ
وَإِنَّ شِفائي عَبرَةٌ مَهَراقَةٌ فَهَل عِندَ رَسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ
كَدَأبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيرِثِ قَبلَها وَجارَتِها أُمِّ الرَبابِ بِمَأسَلِ
فَفاضَت دُموعُ العَينِ مِنّي صَبابَةً عَلى النَحرِ حَتّى بَلَّ دَمعِيَ مِحمَلي
وقول زهير بن أبي سلمى :
غَشيتُ دِياراً بِالنَقيعِ فَثَهمَدِ دَوارِسَ قَد أَقوَينَ مِن أُمِّ مَعبَدِ
أَرَبَّت بِها الأَرواحُ كُلَّ عَشِيَّةٍ فَلَم يَبقَ إِلّا آلُ خَيمٍ مُنَضَّدِ
وَغَيرُ ثَلاثٍ كَالحَمامِ خَوالِدٍ وَهابٍ مُحيلٍ هامِدٍ مُتَلَبِّدِ
فَلَمّا رَأَيتُ أَنَّها لا تُجيبُني نَهَضتُ إِلى وَجناءَ كَالفَحلِ جَلعَدِ

2ـ صورة الطلل مع صورة صاحبته :
وفيها يرسم الشاعر لوحة تتألف من صورتين , صورة الطلل بكامل تفاصيله وتقاليده المتعارفة , فضلا عن صورة محبوبته, والوقوف عند محاسنها حتى يكاد يظهرها عضوا عضوا, فلا يترك شيئا إلا ويصفه ويشخصه .
كما في مقدمة قصيدة حاتم الطائي التي يسائل فيها نفسه عن آثار الديار, وما جرى عليها, حتى تبدلت معالمها :
أَتَعرِفُ أَطلالاً وَنُؤياً مُهَدَّما كَخَطِّكَ في رَقٍّ كِتاباً مُنَمنَما
أَذاعَت بِهِ الأَرواحُ بَعدَ أَنيسِها شُهوراً وَأَيّاماً وَحَولاً مُجَرَّما
دَوارِجَ قَد غَيَّرنَ ظاهِرَ تُربِهِ وَغَيَّرَتِ الأَيّامُ ما كانَ مُعلَما
وَغَيَّرَها طولُ التَقادُمِ وَالبِلى فَما أَعرِفُ الأَطلالَ إِلّا تَوَهُّما
ثم ينتقل للحديث عن زوجه , فيصفها وهي تتهادى في مشيتها, وتزينها الحلي المتلألئة, أما جيدها فترصعه جواهر مختلفة, تتوهج كأنها جمر مشتعل مرت عليه الرياح فزادته اشتعالا,جواهر تضئ البيت , وتسمع وسوستها اذا ما اضطربت على فراشها :
تَهادى عَلَيها حَليُها ذاتَ بَهجَةٍ وَكَشحاً كَطَيِّ السابِرِيَّةِ أَهضَما
وَنَحراً كَفى نورَ الجَبينِ يَزينُهُ تَوَقُّدُ ياقوتٍ وَشَذرٌ مُنَظَّما
كَجَمرِ الغَضا هَبَّت بِهِ بَعدَ هَجعَةٍ مِنَ اللَيلِ أَرواحُ الصَّبا فَتَنَسَّما
يُضيءُ لَنا البَيتُ الظَليلُ خَصاصَةً إِذا هِيَ لَيلاً حاوَلَت أَن تَبَسَّما


إِذا اِنقَلَبَت فَوقَ الحَشِيَّةِ مَرَّةً تَرَنَّمَ وَسواسُ الحُلِيُّ تَرَنُّما
3ـ صورة الطلل مع صورة الظعن :
وفيها يرسم الشاعر لوحة تتألف من صورتين ,صورة الطلل بتفاصيله وتقاليده, فضلا عن صورة الظعن وهي تسير في الصحراء وفوق رمالها.
كما في مقدمة زهير بن أبي سلمى , فهو قد غشي منازل صاحبته أسماء بعد سنوات طويلة, فاستعاد أيامه معها, وحبه لها, حين كانا يتجاوران , حتى إذا حانت لحظة الرحيل والفراق تماسك كل منهما وصبر, يقول :
كَم لِلمَنازِلِ مِن عامٍ وَمِن زَمَنٍ لِآلِ أَسماءَ بِالقُفَّينِ فَالرُكُنِ
لِآلِ أَسماءَ إِذ هامَ الفُؤادُ بِها حيناً وَإِذ هِيَ لَم تَظعَن وَلَم تَبِنِ
وَإِذ كِلانا إِذا حانَت مُفارَقَةٌ مِنَ الدِيارِ طَوى كَشحاً عَلى حَزَنِ
ثم ينتقل إلى صاحبيه يسألهما عن الظعائن التي ارتحلت منذ زمن بعيد,وهل هما لا يزالان يذكرانها وهي تبدأ الرحلة من بطن ( جو) ثم تسير بين ماء( شرج) شمالا و( جو سلمى ) يمينا, كأنها السفن تتراءى له على صفحة الماء, تظهر حينا وتختفي حينا في أثناء مضيها في سيرها إلى منتهى رحلتها :
فَقُلتُ وَالدِيارُ أَحياناً يَشُطُّ بِها صَرفُ الأَميرِ عَلى مَن كانَ ذا شَجَنِ
لِصاحِبَيَّ وَقَد زالَ النَهارُ بِنا هَل تُؤنِسانِ بِبَطنِ الجَوِّ مِن ظُعُنِ
قَد نَكَّبَت ماءَ شَرجٍ عَن شَمائِلِها وَجَوُّ سَلمى عَلى أَركانِها اليُمُنِ
يَقطَعنَ أَميالَ أَجوازِ الفَلاةِ كَما يَغشى النَواتي غِمارَ اللُجِّ بِالسُفُنِ
يَخفِضُها الآلُ طَوراً ثُمَّ يَرفَعُها كَالدَومِ يَعمِدنَ لِلأَشرافِ أَو قَطَنِ

ـ المقدمة الغزلية:
وهي من المقدمات الرئيسة التي وردت في الشعر الجاهلي ، وشاع ذكرها بعد المقدمة الطللية، وترد المقدمة الغزلية ـ على عادة القدماء ـ مستقلة تارة , أو تخرج من حديث الطلل تارة أخرى, أو أي ضرب آخر.
وتشكل المحبوبة المحور الرئيس في هذه المقدمة ، فيضمنها الشاعر حديثه عن شوقه وهيامه بها, واصفا جمالها المادي ( الجسدي ) منه والمعنوي، وما يعانيه منها من صدود وهجران, وقطع علاقتها به، بسبب من أهلها وانتجاعهم أماكن أخرى، أو بتأثير الوشاة وسعيهم الدائب لإيقاع الفرقة بينهم، وما يستتبع ذلك من ألم وحزن وبكاء.
يقول الحادرة :
بَكَرَتْ سُمَيَّةُ بكرةً فَتَمَتَّعِ وَغَدَت غُدُوَّ مُفارِقٍ لَم يَربَعِ
وَتَزَوَّدَت عَيني غَداةَ لَقيتُها بِلِوى البنية نَظرَةً لَم تُقَلعِ
وَتَصَدَّفَت حَتّى اِستَبَتكَ بِواضِحٍ صَلتٍ كَمُنتَصَبِ الغَزالِ الأَتلَعِ
وَبِمُقلَتَي حَوراءَ تَحسُبُ طَرفَها وَسنانَ حُرَّةِ مُستَهَلِّ الأَدمُعِ
وَإِذا تُنازِعُكَ الحَديثَ رَأَيتَها حَسَناً تَبَسُّمُها لَذيذَ المَكرَعِ
فالملاحظ أن الحادرة لم يستطع كتمان لوعته ولهفته لفراق محبوبته ( سمية ) ,بعد أن رآها عازمة على الرحيل ,ناسية ذكرياتها معه,وكأنها لم تقابله, ولم تعرفه, ولم تقض أوقاتا سعيدة معه , بينما وقف هو يلقي عليها نظرات الوداع يتأمل وجهها ولا يغض الطرف عنها, ثم يصف جمالها المادي .
على أننا لا نعدم من الشعراء من عني بالجمال المعنوي, وخير من يصور ذلك الشنفرى , في أثناء حديثه عن صاحبته ( أم عمرو ) فبعد أن يتحدث عن عزمها على الرحيل, نراه يصف جمالها فيقول :
أَلا أَمُّ عَمرو أَجمَعَت فَاِستَقَلَّتِ وَما وَدَّعَت جيرانَها إِذ تَوَلَّتِ
Cool
لَقَد أَعجَبَتني لا سَقوطاً قِناعُها إِذا ما مَشَت وَلا بِذاتِ تَلَفُّتِ
تَبيتُ بُعَيدَ النَومِ تُهدي غَبوقَها لِجارَتِها إِذا الهَدِيَّةُ قَلَّتِ
تَحُلُّ ب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-bowah.forumarabia.com
 
محاضرات في الادب الجاهلي 2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ابـــــــــــــــــــــن البواح الثقافـــــــــــــــــــــــــي :: المنتدى الثقافي-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: